أبو علي سينا

173

الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )

اشتهيت ضربا آخر من البيان - مناسبا لما كنا فيه فاسمع قد تبين مما مر أن محرك الفلك - إنما يخرج بتحريكه إياه أوضاعه - من القوة إلى الفعل طلبا للكمال اللائق به - والأوضاع الخارجة إلى الفعل - وإن كانت كمالات ما - لكنها تكون كمالات بالقياس إلى الجسم - لا بالقياس إلى محركه - فالكمال اللائق بالمحرك - هو تشبهه بمبدئه في صيرورته بريئا من القوة - لكن الكمال والتشبه أمران - يقعان على أشياء مختلفة الحقائق بالتشكيك وقوع اللوازم - فإذن هاهنا شيء ما يحصل لمحرك كل فلك بالتحريك - يقع عليه باعتباره مقيسا إلى المحرك اسم الكمال - وباعتباره مقيسا إلى المبدإ الفارق اسم التشبه - والشيخ ذكر في هذا الفصل - أنك بعد أن عرفت وجود تلك الأشياء بالإجمال - فليس لك أن تكلف نفسك - تصور ماهياتها المختلفة بالتفصيل - فإن القوى البشرية الممنوة بالشواغل البدنية - قاصرة عن تصور ماهية ما - هو أقرب إليها منها مثلا كماهيات كثيرة - من كمالات النفس الحيوانية بالتفصيل - فكيف هذا - ثم أشار إلى ذلك بما يزيد الاستبصار - في تصور كيفية صدور التحريك - عن الشيء المتصور [ 1 ] بصورة عقلية - وأورد لذلك مثلا واضحا - وهو أن القوة الخيالية في الإنسان - التي هي المبدأ الأول لتحريك بدنه - لا تتعطل عند إمعان نفسه الناطقة في أفكارها العقلية - بل يتمثل فيها صور خيالية - تحاكي تلك الأفكار نوعا ما من المحاكاة - وكثيرا ما يعرض للبدن من تلك الصور انفعالات - تابعة لانفعال النفس - كاضطراب بغتة أو دهشة أو سكون أو غير ذلك - فمشاهدة هذه الأمور - دالة على جواز أن يعرض لجرم الفلك انفعال مستمر -

--> [ 1 ] قوله « في تصور كيفية صدور التحريك عن الشئ المتصور » أي كيف يعقل أن الشئ بسبب أنه يتصور شيئا ويدرك كما لا يحرك شيئا آخر . والمثال أن النفس الانسانية ربما يتعقل أمورا وينتقش في قوة الخيال صورا لها على سبيل المحاكاة لعلاقة لها بالنفس فيسرى الانفعال إلى البدن ويعرض له حركة ودهشة . فكما ان حدوث الانفعال في أنفسنا يوجب حدوث الانفعال في قوة الخيال وهو يوجب حدوث حركة البدن فلا يبعد ان يكون استمرار انفعال نفس الفلك موجبا لاستمرار انفعال خيال الفلك وهو يستتبع دوام حركة الفلك . م